نـ الحياة ــور
07-10-25, 06:21 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
" ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ " (الروم:41).
الكاتب: د زغلول النجار
http://www.elnaggarzr.com/files/54151_tsunami-disaster-walid-01-04.jpg
هذا النص القرآني الكريم جاء في بداية الثلث الأخير من سورة (الروم) وهي سورة مكية وآياتها ستون (60) بعد البسملة وقد سميت بهذا الاسم لاستهلالها بخبر انتصار الروم على الفرس قبل وقوعه بتسع سنوات وذلك بعد هزيمتهم المنكرة أمام الجيوش الفارسية قبل نزول هذه السورة المباركة بعدة سنوات ويدور المحور الرئيس لسورة (الروم) حول عدد من ركائز العقيدة الإسلامية شأنها في ذلك شأن كل السور المكية .
وتبدأ سورة الروم بقول ربنا ـ تبارك وتعالى : " الـم . غُلِبَتِ الرُّومُ .فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ . فِي بِضْعِ سِنِينَ لله الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ. بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ " (الروم:1ـ5) . والحروف المقطعة الثلاثة التي استهلت بها هذه السورة المباركة" الـم " تكررت في مطلع ست من سور القرآن الكريم هي : (البقرة - آل عمران - العنكبوت – الروم - لقمان - السجدة) . والحروف المقطعة ـ بصفة عامة ـ جاءت في مطلع تسع وعشرين سورة من سور القرآن الكريم وإن كان عدد من الدارسين لا يعتبر كلا من (طه) و (يس) من المقطعات وذلك لتوجيه الخطاب بعد كل منهما مباشرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يوحي بأنهما من أسمائه الشريفة .
و(المقطعات) تعتبر من أسرار القرآن الكريم التي أوكلها أغلب المفسرين إلى علم الله ـ سبحانه وتعالى ـ وحاول البعض الاجتهاد في تفسيرها بما عرضناه في عدد من المقالات السابقة . وقد أشارت الآيات في مطلع هذه السورة المباركة إلى هزيمة الروم في " أَدْنَى الأَرْضِ " وهي المنطقة الممتدة من حوض وادي عربة جنوبا إلى بحيرة طبرية شمالا مرورا بكل من حوضي البحر الميت ووادي الأردن .
وقد أثبتت الدراسات الميدانية أن هذه المنطقة هي أكثر أجزاء اليابسة انخفاضا عن مستوي سطح البحر وهي في نفس الوقت أقرب الأراضي إلى شبه الجزيرة العربية بل هي جزء من تكوينها; ولفظة (أدنى) في اللغة العربية تحتمل المعنيين : الأخفض والأقرب .
وأكدت السورة الكريمة على أن الروم سوف يغلبون من بعد غلبهم هذا في بضع سنين والبضع في اللغة بين الثلاثة والتسعة وقد تحقق نصر الروم على الفرس بالفعل بعد تسع سنوات .
وهذه الآيات الكريمة التي جاءت في مطلع سورة (الروم) تؤكد أن الأمر لله ـ تعالى ـ من قبل ومن بعد وأن النصر بيده يهبه لمن يشاء من عباده : " وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيم " كما أكدت فرح المسلمين يومئذ لسببين واضحين :
أولهما : بشري انتصارهم في معركة (بدر الكبرى) على كفار ومشركي قريش .
ثانيهما : بشري انتصار جيوش الروم ـ وكانوا من بقايا أهل الكتاب ـ على جيوش الفرس ـ وكانوا من عبدة الأوثان . وقد تحققت البشارتان بأمر الله ـ تعالى ـ . ثم تتابع الآيات بالتأكيد على أن وعد الله ـ سبحانه وتعالى ـ لا يخلف , وباستنكار غفلة أغلب الناس عن الآخرة وضرورتها وحتمية وقوعها , وعدم اعتبارهم بإبداع الخلق في أنفسهم وفي الكون من حواليهم وباستنكار كفرهم بلقاء ربهم وعدم استفادتهم بما حدث للأمم من قبلهم جزاء تكذيبهم واستهزائهم بآيات الله ورسله وفي ذلك تقول الآيات : " وَعْدَ اللَّهِ لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ .يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ . أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ . أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ. ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِءُونَ " (الروم:6ـ10) .
وتستمر الآيات في التأكيد على أن الله ـ تعالى ـ هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وأن الخلق جميعهم إليه راجعون وأن المجرمين سوف يصلون إلى حد اليأس من فرط الحزن على مصيرهم الأسود يوم تقوم الساعة ويوم يتخلي عنهم شركاؤهم الذين أشركوهم في عبادة الله فيكفرون بهم ويتفرق الخلق إلى الذين آمنوا وعملوا الصالحات وجزاؤهم الجنة ينعمون فيها في فرح وسرور والذين كفروا وكذبوا بآيات الله ولقائه أو أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ففي النار يصطلون وفي ذلك تقول الآيات :
" اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ . وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ . وَلَمْ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ.وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ . فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ . وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ فَأُوْلَئِكَ فِي العَذَابِ مُحْضَرُونَ . فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ .وَلَهُ الحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ" (الروم:11ـ18)
http://www.elnaggarzr.com/files/22274_26.jpg
وفي هذه الآيات أمر بذكر الله وتسبيحه وحمده في المساء والصباح وفي العشية والظهيرة وذلك بالصلاة وبالدعاء وبالتنزيه عن الشبيه والشريك والمنازع والصاحبة والولد , وعن جميع صفات خلقه وعن كل وصف لا يليق بجلاله , وأمر بتمجيده ـ سبحانه وتعالى ـ بذكره بأسمائه الحسني وصفاته العليا باللسان والقلب في هذه الأوقات المحددة لما فيها من بركات خاصة مما شجع بعض المفسرين على اعتبارها أوقات الصلوات الخمس التي حددها لنا ربنا ـ تبارك وتعالى ـ أو هي تعبير على إطلاق العبادة والذكر والتسبيح على طول الزمن انسجاما مع ما يقوم به كل ما بالكون من الجمادات والأحياء ومن الخلق المكلف وغير المكلف .
ثم تستعرض السورة الكريمة في الآيات (19ـ27) عددا من آيات الله في الكون مما يشهد له ـ سبحانه وتعالى ـ بطلاقة القدرة وبديع الصنعة وإتقان الخلق وتضرب للناس مثلا من أنفسهم وتسألهم بطريقة الاستفهام الإنكاري التقريعي التوبيخي فتقول لهم: هل لكم من مواليكم شركاء فيما مكناكم من حطام هذه الدنيا فلا تستطيعون التصرف في شيء منه إلا بإذنهم فإن كنتم لا ترضون ذلك لأنفسكم ولا تفعلونه ـ وهم أمثالكم في البشرية والعبودية لله تعالى ـ فكيف ترضونه لله الخالق وكيف تشركون في عبادته بعض مخلوقاته أو بعض مصنوع مخلوقاته تصنعونه بأيديكم ثم تعبدونه من دون الله أو تشركونه في عبادته؟ وبمثل هذا التفصيل تبين الآيات لأصحاب العقول المستنيرة كلا من الحق والباطل , وتؤكد أن الذين كفروا يتبعون أهواءهم دون علم بعواقب كفرهم أو شركهم ولعلم الله تعالى بكبرهم وعنادهم يضلهم ومن يضلل الله فلا هادي ولا ناصر له .وبعد ذلك تأمر الآيات خاتم الأنبياء والمرسلين صلي الله عليه وسلم ـ ومن بعده كل مؤمن برسالته ـ بأن يقيم وجهه للإسلام الحنيف أي يقبل عليه بكليته وبجماع قلبه وعقله لأنه هو الدين الوحيد الذي يرتضيه ربنا ـ تبارك وتعالى ـ من عباده , ولا يرتضي منهم دينا سواه لأنه دين الفطرة التي فطر عباده عليها , والتي لا تبديل لها , وإن كان أكثر الناس لا يعلمون ذلك إما لجهلهم أو لاستكبارهم على الحق أو لانغماسهم في معاصي الله . كذلك تأمر الآيات بالإنابة إلى الله تعالى وتقواه كما تأمر بإقامة الصلاة وتحذر مرة أخري من الوقوع في دنس الشرك بالله وفي ذلك تقول : " فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ . مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلاَ تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ . مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُم وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ " (الروم:30-32) .
وفي الإشارة إلى شىء من طبائع النفس الإنسانية تذكر الآيات أن الناس إذا أصابهم الضر التجأوا إلى الله ـ تعالى ـ متضرعين كشفه عنهم فإذا استجاب الله لتضرعهم سارع فريق منهم إلى الشرك به فتكون عاقبة أمرهم الكفر بأنعم الله ـ تعالى ـ وتنذرهم الآيات من شر تلك العاقبة مؤكدة أن من الناس من إذا أذاقهم ربهم نعمة ورحمة منه فرحوا بها إلى حد البطر وإذا أصابهم بشدة بسبب ما اقترفوا من ذنوب يئسوا إلى حد القنوط ونسوا أن الله ـ تعالى ـ هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وفي ذلك تقول : " وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ . لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ.أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُون .وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ . أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ " (الروم:33ـ37) .
وتأمر الآيات بإيتاء ذي القربى حقه والمسكين وابن السبيل وتحرم الربا تحريما قاطعا وتحض على أداء الزكاة مؤكدة أن الله ـ تعالى ـ هو الخلاق الرزاق المحيي المميت وأن الذين عبدهم المشركون لا يستطيعون تحقيق شيء من ذلك وفي ذلك تقول : " فَآتِ ذَا القُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُريدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ . وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ . اللًّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِّن شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشرِكُونَ " (الروم:38ـ40) .
وبعد ذلك تشير الآيات إلى ظهور الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس مؤكدة عقاب الله تعالى للمفسدين في الأرض لعلهم يرجعون عن فسادهم وفي ذلك تقول : " ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ " (الروم:41) .
وتأمر الآيات في سورة الروم بالسير في الأرض للاعتبار بما وقع من عذاب للأمم المشركة والكافرة من قبل مؤكدة ضرورة الاستقامة على منهج الله وهو الإسلام العظيم من قبل أن تأتي الآخرة فتصدع به كل الخلائق ثم يجزي كل بعمله الذي أداه في الدنيا وفي ذلك تخاطب الآيات خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلي الله عليه وسلم ـ بقول ربنا ـ تبارك وتعالى : " قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ. فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ . مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ . لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الكَافِرِينَ " (الروم:42ـ45) .
وتذكر الآيات بأن تصريف الرياح هو من دلالات طلاقة القدرة الإلهية المبدعة في الكون والمستوجبة لشكر العباد كما تعاود التذكير بعقاب المكذبين من مجرمي الأمم السابقة انتقاما منهم والتأكيد على أن نصر المؤمنين حق فرضه رب العالمين على ذاته العلية في كل مكان وزمان وفي ذلك تقول : " وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ " (الروم:47) .
وفي الآيات من (46ـ51) تفصل سورة الروم كيفية تكون السحب الطباقية وإنزال الماء منها فيستبشر العباد بذلك بعد أن كانوا من اليائسين وتشبه إخراج الموتى من قبورهم بإحياء الأرض بعد موتها وذلك بإنبات النبات من خلالها مؤكدة أن الله ـ تعالى ـ على كل شيء قدير , وتقارن بين الرياح المبشرة بالخير وبين ريح العقاب المصفرة .وتشبه الآيات إعراض كل من الكفار والمشركين عن الاستماع إلى رسالة الله الخاتمة بعجز كل من الموتى والصم عن الاستماع إلى محدثيهم , خاصة إذا كان الأصم منهم مدبرا عن محدثه , وبعجز الأعمى عن إبصار الطريق القويم وفي ذلك تقول موجهة الخطاب إلى خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم : " فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ المَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ. وَمَا أَنْتَ بِهَادِ العُمْيِ عَن ضَلالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ " (الروم:52-53) .
وتذكر الآية رقم (54) من سورة (الروم) كل الناس بأن الله ـ تعالى ـ خلقهم من ضعف ثم جعل من بعد الضعف قوة ثم من بعد القوة ضعفا وشيبة حتى يرعى الصغير في طفولته , ولا يغتر شاب بقوته , ولا يحزن شيخ لضعفه في شيبته ويعلم الجميع أنها سنة الله في خلقه فيرضي كل بقسمته وبتقدير الله العليم القدير له .
وفي الآيات من (55-57) تأكيد على مرحلية الحياة الدنيا وفتنة الناس بها وغفلتهم عن الآخرة وخلودها وتناسيهم لحتمية وقوعها ثم مفاجأتهم بها في يوم القيامة ولذلك يقول ربنا- تبارك وتعالى- : " فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ " (الروم:57) .
وتختتم سورة (الروم) بخطاب موجه من الله ـ تعالى ـ إلى خاتم أنبيائه ورسله صلي الله عليه وسلم وإلى جميع المؤمنين برسالته من بعده مؤكدا كفر الذين يكذبون بالقرآن الكريم وقد طبع الله تعالى على قلوبهم بكفرهم فهم لا يرون الحق أبدا ولا يجدون إليه سبيلا وتأمر الآيات بالصبر على استخفافهم بدعوة الحق وتطمئن القلوب المؤمنة بأن وعد الله حق وهو واقع لا محالة وفي ذلك يقول ربنا- تبارك وتعالى- : " وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِن جِئْتَهُم بِآيَةٍ لَّيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ . كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ . فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ " (الروم:58ـ60) .
يُرجى المتااااابعه
" ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ " (الروم:41).
الكاتب: د زغلول النجار
http://www.elnaggarzr.com/files/54151_tsunami-disaster-walid-01-04.jpg
هذا النص القرآني الكريم جاء في بداية الثلث الأخير من سورة (الروم) وهي سورة مكية وآياتها ستون (60) بعد البسملة وقد سميت بهذا الاسم لاستهلالها بخبر انتصار الروم على الفرس قبل وقوعه بتسع سنوات وذلك بعد هزيمتهم المنكرة أمام الجيوش الفارسية قبل نزول هذه السورة المباركة بعدة سنوات ويدور المحور الرئيس لسورة (الروم) حول عدد من ركائز العقيدة الإسلامية شأنها في ذلك شأن كل السور المكية .
وتبدأ سورة الروم بقول ربنا ـ تبارك وتعالى : " الـم . غُلِبَتِ الرُّومُ .فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ . فِي بِضْعِ سِنِينَ لله الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ. بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ " (الروم:1ـ5) . والحروف المقطعة الثلاثة التي استهلت بها هذه السورة المباركة" الـم " تكررت في مطلع ست من سور القرآن الكريم هي : (البقرة - آل عمران - العنكبوت – الروم - لقمان - السجدة) . والحروف المقطعة ـ بصفة عامة ـ جاءت في مطلع تسع وعشرين سورة من سور القرآن الكريم وإن كان عدد من الدارسين لا يعتبر كلا من (طه) و (يس) من المقطعات وذلك لتوجيه الخطاب بعد كل منهما مباشرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يوحي بأنهما من أسمائه الشريفة .
و(المقطعات) تعتبر من أسرار القرآن الكريم التي أوكلها أغلب المفسرين إلى علم الله ـ سبحانه وتعالى ـ وحاول البعض الاجتهاد في تفسيرها بما عرضناه في عدد من المقالات السابقة . وقد أشارت الآيات في مطلع هذه السورة المباركة إلى هزيمة الروم في " أَدْنَى الأَرْضِ " وهي المنطقة الممتدة من حوض وادي عربة جنوبا إلى بحيرة طبرية شمالا مرورا بكل من حوضي البحر الميت ووادي الأردن .
وقد أثبتت الدراسات الميدانية أن هذه المنطقة هي أكثر أجزاء اليابسة انخفاضا عن مستوي سطح البحر وهي في نفس الوقت أقرب الأراضي إلى شبه الجزيرة العربية بل هي جزء من تكوينها; ولفظة (أدنى) في اللغة العربية تحتمل المعنيين : الأخفض والأقرب .
وأكدت السورة الكريمة على أن الروم سوف يغلبون من بعد غلبهم هذا في بضع سنين والبضع في اللغة بين الثلاثة والتسعة وقد تحقق نصر الروم على الفرس بالفعل بعد تسع سنوات .
وهذه الآيات الكريمة التي جاءت في مطلع سورة (الروم) تؤكد أن الأمر لله ـ تعالى ـ من قبل ومن بعد وأن النصر بيده يهبه لمن يشاء من عباده : " وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيم " كما أكدت فرح المسلمين يومئذ لسببين واضحين :
أولهما : بشري انتصارهم في معركة (بدر الكبرى) على كفار ومشركي قريش .
ثانيهما : بشري انتصار جيوش الروم ـ وكانوا من بقايا أهل الكتاب ـ على جيوش الفرس ـ وكانوا من عبدة الأوثان . وقد تحققت البشارتان بأمر الله ـ تعالى ـ . ثم تتابع الآيات بالتأكيد على أن وعد الله ـ سبحانه وتعالى ـ لا يخلف , وباستنكار غفلة أغلب الناس عن الآخرة وضرورتها وحتمية وقوعها , وعدم اعتبارهم بإبداع الخلق في أنفسهم وفي الكون من حواليهم وباستنكار كفرهم بلقاء ربهم وعدم استفادتهم بما حدث للأمم من قبلهم جزاء تكذيبهم واستهزائهم بآيات الله ورسله وفي ذلك تقول الآيات : " وَعْدَ اللَّهِ لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ .يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ . أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ . أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ. ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِءُونَ " (الروم:6ـ10) .
وتستمر الآيات في التأكيد على أن الله ـ تعالى ـ هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وأن الخلق جميعهم إليه راجعون وأن المجرمين سوف يصلون إلى حد اليأس من فرط الحزن على مصيرهم الأسود يوم تقوم الساعة ويوم يتخلي عنهم شركاؤهم الذين أشركوهم في عبادة الله فيكفرون بهم ويتفرق الخلق إلى الذين آمنوا وعملوا الصالحات وجزاؤهم الجنة ينعمون فيها في فرح وسرور والذين كفروا وكذبوا بآيات الله ولقائه أو أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ففي النار يصطلون وفي ذلك تقول الآيات :
" اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ . وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ . وَلَمْ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ.وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ . فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ . وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ فَأُوْلَئِكَ فِي العَذَابِ مُحْضَرُونَ . فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ .وَلَهُ الحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ" (الروم:11ـ18)
http://www.elnaggarzr.com/files/22274_26.jpg
وفي هذه الآيات أمر بذكر الله وتسبيحه وحمده في المساء والصباح وفي العشية والظهيرة وذلك بالصلاة وبالدعاء وبالتنزيه عن الشبيه والشريك والمنازع والصاحبة والولد , وعن جميع صفات خلقه وعن كل وصف لا يليق بجلاله , وأمر بتمجيده ـ سبحانه وتعالى ـ بذكره بأسمائه الحسني وصفاته العليا باللسان والقلب في هذه الأوقات المحددة لما فيها من بركات خاصة مما شجع بعض المفسرين على اعتبارها أوقات الصلوات الخمس التي حددها لنا ربنا ـ تبارك وتعالى ـ أو هي تعبير على إطلاق العبادة والذكر والتسبيح على طول الزمن انسجاما مع ما يقوم به كل ما بالكون من الجمادات والأحياء ومن الخلق المكلف وغير المكلف .
ثم تستعرض السورة الكريمة في الآيات (19ـ27) عددا من آيات الله في الكون مما يشهد له ـ سبحانه وتعالى ـ بطلاقة القدرة وبديع الصنعة وإتقان الخلق وتضرب للناس مثلا من أنفسهم وتسألهم بطريقة الاستفهام الإنكاري التقريعي التوبيخي فتقول لهم: هل لكم من مواليكم شركاء فيما مكناكم من حطام هذه الدنيا فلا تستطيعون التصرف في شيء منه إلا بإذنهم فإن كنتم لا ترضون ذلك لأنفسكم ولا تفعلونه ـ وهم أمثالكم في البشرية والعبودية لله تعالى ـ فكيف ترضونه لله الخالق وكيف تشركون في عبادته بعض مخلوقاته أو بعض مصنوع مخلوقاته تصنعونه بأيديكم ثم تعبدونه من دون الله أو تشركونه في عبادته؟ وبمثل هذا التفصيل تبين الآيات لأصحاب العقول المستنيرة كلا من الحق والباطل , وتؤكد أن الذين كفروا يتبعون أهواءهم دون علم بعواقب كفرهم أو شركهم ولعلم الله تعالى بكبرهم وعنادهم يضلهم ومن يضلل الله فلا هادي ولا ناصر له .وبعد ذلك تأمر الآيات خاتم الأنبياء والمرسلين صلي الله عليه وسلم ـ ومن بعده كل مؤمن برسالته ـ بأن يقيم وجهه للإسلام الحنيف أي يقبل عليه بكليته وبجماع قلبه وعقله لأنه هو الدين الوحيد الذي يرتضيه ربنا ـ تبارك وتعالى ـ من عباده , ولا يرتضي منهم دينا سواه لأنه دين الفطرة التي فطر عباده عليها , والتي لا تبديل لها , وإن كان أكثر الناس لا يعلمون ذلك إما لجهلهم أو لاستكبارهم على الحق أو لانغماسهم في معاصي الله . كذلك تأمر الآيات بالإنابة إلى الله تعالى وتقواه كما تأمر بإقامة الصلاة وتحذر مرة أخري من الوقوع في دنس الشرك بالله وفي ذلك تقول : " فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ . مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلاَ تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ . مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُم وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ " (الروم:30-32) .
وفي الإشارة إلى شىء من طبائع النفس الإنسانية تذكر الآيات أن الناس إذا أصابهم الضر التجأوا إلى الله ـ تعالى ـ متضرعين كشفه عنهم فإذا استجاب الله لتضرعهم سارع فريق منهم إلى الشرك به فتكون عاقبة أمرهم الكفر بأنعم الله ـ تعالى ـ وتنذرهم الآيات من شر تلك العاقبة مؤكدة أن من الناس من إذا أذاقهم ربهم نعمة ورحمة منه فرحوا بها إلى حد البطر وإذا أصابهم بشدة بسبب ما اقترفوا من ذنوب يئسوا إلى حد القنوط ونسوا أن الله ـ تعالى ـ هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وفي ذلك تقول : " وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ . لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ.أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُون .وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ . أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ " (الروم:33ـ37) .
وتأمر الآيات بإيتاء ذي القربى حقه والمسكين وابن السبيل وتحرم الربا تحريما قاطعا وتحض على أداء الزكاة مؤكدة أن الله ـ تعالى ـ هو الخلاق الرزاق المحيي المميت وأن الذين عبدهم المشركون لا يستطيعون تحقيق شيء من ذلك وفي ذلك تقول : " فَآتِ ذَا القُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُريدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ . وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ . اللًّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِّن شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشرِكُونَ " (الروم:38ـ40) .
وبعد ذلك تشير الآيات إلى ظهور الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس مؤكدة عقاب الله تعالى للمفسدين في الأرض لعلهم يرجعون عن فسادهم وفي ذلك تقول : " ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ " (الروم:41) .
وتأمر الآيات في سورة الروم بالسير في الأرض للاعتبار بما وقع من عذاب للأمم المشركة والكافرة من قبل مؤكدة ضرورة الاستقامة على منهج الله وهو الإسلام العظيم من قبل أن تأتي الآخرة فتصدع به كل الخلائق ثم يجزي كل بعمله الذي أداه في الدنيا وفي ذلك تخاطب الآيات خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلي الله عليه وسلم ـ بقول ربنا ـ تبارك وتعالى : " قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ. فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ . مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ . لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الكَافِرِينَ " (الروم:42ـ45) .
وتذكر الآيات بأن تصريف الرياح هو من دلالات طلاقة القدرة الإلهية المبدعة في الكون والمستوجبة لشكر العباد كما تعاود التذكير بعقاب المكذبين من مجرمي الأمم السابقة انتقاما منهم والتأكيد على أن نصر المؤمنين حق فرضه رب العالمين على ذاته العلية في كل مكان وزمان وفي ذلك تقول : " وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ " (الروم:47) .
وفي الآيات من (46ـ51) تفصل سورة الروم كيفية تكون السحب الطباقية وإنزال الماء منها فيستبشر العباد بذلك بعد أن كانوا من اليائسين وتشبه إخراج الموتى من قبورهم بإحياء الأرض بعد موتها وذلك بإنبات النبات من خلالها مؤكدة أن الله ـ تعالى ـ على كل شيء قدير , وتقارن بين الرياح المبشرة بالخير وبين ريح العقاب المصفرة .وتشبه الآيات إعراض كل من الكفار والمشركين عن الاستماع إلى رسالة الله الخاتمة بعجز كل من الموتى والصم عن الاستماع إلى محدثيهم , خاصة إذا كان الأصم منهم مدبرا عن محدثه , وبعجز الأعمى عن إبصار الطريق القويم وفي ذلك تقول موجهة الخطاب إلى خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم : " فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ المَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ. وَمَا أَنْتَ بِهَادِ العُمْيِ عَن ضَلالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ " (الروم:52-53) .
وتذكر الآية رقم (54) من سورة (الروم) كل الناس بأن الله ـ تعالى ـ خلقهم من ضعف ثم جعل من بعد الضعف قوة ثم من بعد القوة ضعفا وشيبة حتى يرعى الصغير في طفولته , ولا يغتر شاب بقوته , ولا يحزن شيخ لضعفه في شيبته ويعلم الجميع أنها سنة الله في خلقه فيرضي كل بقسمته وبتقدير الله العليم القدير له .
وفي الآيات من (55-57) تأكيد على مرحلية الحياة الدنيا وفتنة الناس بها وغفلتهم عن الآخرة وخلودها وتناسيهم لحتمية وقوعها ثم مفاجأتهم بها في يوم القيامة ولذلك يقول ربنا- تبارك وتعالى- : " فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ " (الروم:57) .
وتختتم سورة (الروم) بخطاب موجه من الله ـ تعالى ـ إلى خاتم أنبيائه ورسله صلي الله عليه وسلم وإلى جميع المؤمنين برسالته من بعده مؤكدا كفر الذين يكذبون بالقرآن الكريم وقد طبع الله تعالى على قلوبهم بكفرهم فهم لا يرون الحق أبدا ولا يجدون إليه سبيلا وتأمر الآيات بالصبر على استخفافهم بدعوة الحق وتطمئن القلوب المؤمنة بأن وعد الله حق وهو واقع لا محالة وفي ذلك يقول ربنا- تبارك وتعالى- : " وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِن جِئْتَهُم بِآيَةٍ لَّيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ . كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ . فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ " (الروم:58ـ60) .
يُرجى المتااااابعه