هاااااوي
07-01-25, 08:35 صباحاً
مقدمة في التصوف الايراني الاسلامي «۳»
لكن المسألة المهمة هنا هو ان انصار هذا الاسلوب الفكري كانوا من اهل الاديان أو كان لديهم انجذاب ديني خاص في تعليماتهم، لانه لو حللنا التصوف والعرفان بدقة لنفذنا الى نوع من التوحيد فيه اقصى درجات القوة، اجل، واي مشرّع او نبيّ كان مبلغا للتوحيد ولم يكن في وجوده هذا الانجذاب؟!.
۶- على كل حال فتيار التصوف والعرفان في الحضارة الاسلامية ليس امرا جديدا ولا بدعة لكنه استطاع الاستفادة من باقي التيارات الاسلامية للارتقاء الى مراحل عليا من التكامل، لكن بعد الوصول الى الذروة العليا انحدر نحو الادنى ليقترب من درجات خاصة من الركود.
ولعل المقصود هنا من استفادة التصوف والعرفان من التيارات الفكرية الاخرى في الحضارة الاسلامية بشكل واسع هو استفادته الواسعة من الابحاث المختلفة، الفلسفية والكلامية والتفسير والفقه ونحو ذلك.
والحق ان التصوف الاسلامي بدأ بحالة من الزهد، لكنه رويدا رويدا ومع بداية ارتباط الافكار الافلاطونية الجديدة لحوزة الاسكندرية مع الحوزات العلمية الاسلامية الاخرى، راح التصوف يقترب من تلك الحوزة، والحكمة الافلاطونية الجديدة هي نوع من حكمة الاشراف المتقدمة ولاسيما في الطريقة الافلاطونية حيث بلغت مراحل مهمة من التطور، علما ان هذا المذهب الفكري قد طرد من حوزة التدريس في عهد الامبراطور البيزنطي المتعصب يوسيتنيانوس والتجأ اصحابه العقلاء السبعة الى بلاط خسرو الاول انوشيروان ليشيع بعدئذ في انحاء ايران.
وليس بعيدا ان تكون طريقة التفكر «الخسروانية» والتي اشار اليها لاحقا شهاب الدين السهروردي «شيخ الاشرف» في حقوقه حكمة الاشراق هي ذاتها طريقة التفكير الافلاطونية الجديدة لدى العقلاء السبعة المعاصرة لخسرو انوشيروان، والتي لاقت قبولا في ايران وتطابقت مع اصول عقائد المتكلمين الزرادشتية، واستمرت مسيرتها خلال العصور الاسلامية.
على كل حال، فسواء أكان هذا الرأي صحيحا ام لا، فانه من المسلم به ان هذا التيار الفكري كان موجود في ايران قبل الاسلام في العصر الساساني لأننا نرى آثار ذلك بجلاء تام في «حكمة الاشراق» عند الشيخ السهروردي، والمدهش ان السهروردي كان يطلق على سلسلة الاشراقات النورية اسماء خاصة بآلهة الزرادشتيين «ايزدان» وملائكتهم «امشاسبندان»، وهذا يفسر سهولة اتهامه بالالحاد ووقوعه في قبضة المتعصبين قتلته في حلب اثناء العصر الايوبي.
كما ان الشيء القابل للتأمل هو ان التفكر الافلاطوني الجديد والذي جاء على اساس الفكر الافلاطوني يقترب بشكل خاص من اسس تفكر ماوراء الطبيعة في «الاستباق»، وهنا ايضا نصل الى سلسلة الاشراقات النورانية المعهودة ذاتها التي يمكن مشاهدتها في تفكر ماوراء الطبيعة في الافلاطونية الجديدة، وحينما نتأمل بدقة في وجود نور الانوار وسلسلة الاشراقات النورية عند السهروردي التي نجمت كليا عن طريق الفيض، ومن ثم حينما ندقق في عالم الغواسق البرزخية لديه، سندرك جليا كيف ان السهرورديا درك الرابطة الدقيقة بين تفكر الافلاطونية الجديدة والثنوية الايرانية، ومن ثم قام بطربهما مع بعضهما الاخر، او كيف ان هذه الرابطة وردت الى النظام الفلسفي الخسرواني ومنه الى شيخ الاشراق السهروردي الذي كان يدافع عنها بقوة.
لعل قصدي مما سبق هو القول ان المتفكرين الايرانيين ذوي المشرب الصوفي، لم يكونوا في حاجة ملحة لآثار الفلسفة الاسكندرانية - الافلاطونية الجديدة - من اجل الوصول الى بوابات حكمة الاشراق، لان هذه الفلسفة كانت شائعة في ايران منذ اواخر القرن السادس الميلادي، ولانها كانت تتطابق مع نظام ما وراء الطبيعة في «الابستاق» فان امكا نية قبولها في اسس الفكر الايراني الكلاسيكي لم تكن ضعيفة.
۷- على كل حال سواء عن طريق تيار الحكمة الخسروانية او باحتمال اضعف عبر ترجمات الكتب الفلسفية الاسكندرانية، فان الزهاد المسلمين ذوي المشرب الصوفي قد اتعرفوا على ابحاث جديدة من خلال اقدامهم على نوع فكري يتناول المبادئ.
اما تلك المباحث الجديدة لم تدخل اليهم اطلاقا على صورة حكمة مدونة او بحسب قول المعاصرين، على شكل منظم! الا بعد القرن السابع الههجري وذلك اثر الابحاث المنظمة المدونة للشيخ الاكبر محي الدين بن عربي وامثاله، ولعل هذا الامر يعني عدم وجود نظام فلسفي منظم في تعليمات المتصوفة الاوائل هو سبب اصراري على ان الافكار الاشراقية قد وردت الى عالم هؤلاء المتصوفة عبر الحكمة الخسروانية وليس من خلال ترجمة الحكمة الافلاطونية او باقي المفكرين الاسكندرانيين اي ان بوارق الفكر الافلاطوني الجديد او الاشراقي الذي لمع بين المتصوفة وادى فيما بعد الى رواج وحدة الوجود نظائر ذلك يجب الا يعد نتيجة لنشر الرسائل والكتب المترجمة عن اليوناية، وانما عبر التلقينات الشفهية والاقتباسات اللسانية التي كانت تتم في محيط حياتهم وتنتقل من لسان الى آخر حتى طوت طريق تكاملها.
۸- في تلك الآونة من عمر الحضارة الاسلامية واثر اصطدام المبلغين الاسلاميين بالمتكلمين المسيحيين والزرداشتيين والمانويين وامثالهم، اضطر المبلغون المسلمون الى ترك بساطتهم والتحول عن نشر التعاليم الدينية وفق صورة بدائية الى استخدام الحربة ذاتها التي يستخدماه مخالفوهم يعني سلاح المنطق والفلسفة.
وفي الوقت ذاته وكما نعلم فقد ظهرت طبقات مختلفة في الممالك الاسلامية شرع كل منها بالبحث والمشاجرة حول اصول الدين او في مسائل من قبيل الجبر والاختيار وقدم كلام الله او حدوثه، وغير ذلك. ولعل ظهور هذه الابحاث قد قاد في النهاية الى ظهور فرق كالمرجئة والجهمية والقدرية والفرقة المقتدرة كثيرا المسماة بالمعتزلة والتي انقسمت بدورها الى شعب متعددة، لتظهر من بين احد شعبها وهي شعبة الجبائية تلك الفرقة المعروفة بالأشعرية، والتي ارتكزت على اسس جديدة استولت طويلا على افكار المتفكرين الاسلاميين.
د. ذبيح الله صفا
ترجمة: مصطفى البكور
لكن المسألة المهمة هنا هو ان انصار هذا الاسلوب الفكري كانوا من اهل الاديان أو كان لديهم انجذاب ديني خاص في تعليماتهم، لانه لو حللنا التصوف والعرفان بدقة لنفذنا الى نوع من التوحيد فيه اقصى درجات القوة، اجل، واي مشرّع او نبيّ كان مبلغا للتوحيد ولم يكن في وجوده هذا الانجذاب؟!.
۶- على كل حال فتيار التصوف والعرفان في الحضارة الاسلامية ليس امرا جديدا ولا بدعة لكنه استطاع الاستفادة من باقي التيارات الاسلامية للارتقاء الى مراحل عليا من التكامل، لكن بعد الوصول الى الذروة العليا انحدر نحو الادنى ليقترب من درجات خاصة من الركود.
ولعل المقصود هنا من استفادة التصوف والعرفان من التيارات الفكرية الاخرى في الحضارة الاسلامية بشكل واسع هو استفادته الواسعة من الابحاث المختلفة، الفلسفية والكلامية والتفسير والفقه ونحو ذلك.
والحق ان التصوف الاسلامي بدأ بحالة من الزهد، لكنه رويدا رويدا ومع بداية ارتباط الافكار الافلاطونية الجديدة لحوزة الاسكندرية مع الحوزات العلمية الاسلامية الاخرى، راح التصوف يقترب من تلك الحوزة، والحكمة الافلاطونية الجديدة هي نوع من حكمة الاشراف المتقدمة ولاسيما في الطريقة الافلاطونية حيث بلغت مراحل مهمة من التطور، علما ان هذا المذهب الفكري قد طرد من حوزة التدريس في عهد الامبراطور البيزنطي المتعصب يوسيتنيانوس والتجأ اصحابه العقلاء السبعة الى بلاط خسرو الاول انوشيروان ليشيع بعدئذ في انحاء ايران.
وليس بعيدا ان تكون طريقة التفكر «الخسروانية» والتي اشار اليها لاحقا شهاب الدين السهروردي «شيخ الاشرف» في حقوقه حكمة الاشراق هي ذاتها طريقة التفكير الافلاطونية الجديدة لدى العقلاء السبعة المعاصرة لخسرو انوشيروان، والتي لاقت قبولا في ايران وتطابقت مع اصول عقائد المتكلمين الزرادشتية، واستمرت مسيرتها خلال العصور الاسلامية.
على كل حال، فسواء أكان هذا الرأي صحيحا ام لا، فانه من المسلم به ان هذا التيار الفكري كان موجود في ايران قبل الاسلام في العصر الساساني لأننا نرى آثار ذلك بجلاء تام في «حكمة الاشراق» عند الشيخ السهروردي، والمدهش ان السهروردي كان يطلق على سلسلة الاشراقات النورية اسماء خاصة بآلهة الزرادشتيين «ايزدان» وملائكتهم «امشاسبندان»، وهذا يفسر سهولة اتهامه بالالحاد ووقوعه في قبضة المتعصبين قتلته في حلب اثناء العصر الايوبي.
كما ان الشيء القابل للتأمل هو ان التفكر الافلاطوني الجديد والذي جاء على اساس الفكر الافلاطوني يقترب بشكل خاص من اسس تفكر ماوراء الطبيعة في «الاستباق»، وهنا ايضا نصل الى سلسلة الاشراقات النورانية المعهودة ذاتها التي يمكن مشاهدتها في تفكر ماوراء الطبيعة في الافلاطونية الجديدة، وحينما نتأمل بدقة في وجود نور الانوار وسلسلة الاشراقات النورية عند السهروردي التي نجمت كليا عن طريق الفيض، ومن ثم حينما ندقق في عالم الغواسق البرزخية لديه، سندرك جليا كيف ان السهرورديا درك الرابطة الدقيقة بين تفكر الافلاطونية الجديدة والثنوية الايرانية، ومن ثم قام بطربهما مع بعضهما الاخر، او كيف ان هذه الرابطة وردت الى النظام الفلسفي الخسرواني ومنه الى شيخ الاشراق السهروردي الذي كان يدافع عنها بقوة.
لعل قصدي مما سبق هو القول ان المتفكرين الايرانيين ذوي المشرب الصوفي، لم يكونوا في حاجة ملحة لآثار الفلسفة الاسكندرانية - الافلاطونية الجديدة - من اجل الوصول الى بوابات حكمة الاشراق، لان هذه الفلسفة كانت شائعة في ايران منذ اواخر القرن السادس الميلادي، ولانها كانت تتطابق مع نظام ما وراء الطبيعة في «الابستاق» فان امكا نية قبولها في اسس الفكر الايراني الكلاسيكي لم تكن ضعيفة.
۷- على كل حال سواء عن طريق تيار الحكمة الخسروانية او باحتمال اضعف عبر ترجمات الكتب الفلسفية الاسكندرانية، فان الزهاد المسلمين ذوي المشرب الصوفي قد اتعرفوا على ابحاث جديدة من خلال اقدامهم على نوع فكري يتناول المبادئ.
اما تلك المباحث الجديدة لم تدخل اليهم اطلاقا على صورة حكمة مدونة او بحسب قول المعاصرين، على شكل منظم! الا بعد القرن السابع الههجري وذلك اثر الابحاث المنظمة المدونة للشيخ الاكبر محي الدين بن عربي وامثاله، ولعل هذا الامر يعني عدم وجود نظام فلسفي منظم في تعليمات المتصوفة الاوائل هو سبب اصراري على ان الافكار الاشراقية قد وردت الى عالم هؤلاء المتصوفة عبر الحكمة الخسروانية وليس من خلال ترجمة الحكمة الافلاطونية او باقي المفكرين الاسكندرانيين اي ان بوارق الفكر الافلاطوني الجديد او الاشراقي الذي لمع بين المتصوفة وادى فيما بعد الى رواج وحدة الوجود نظائر ذلك يجب الا يعد نتيجة لنشر الرسائل والكتب المترجمة عن اليوناية، وانما عبر التلقينات الشفهية والاقتباسات اللسانية التي كانت تتم في محيط حياتهم وتنتقل من لسان الى آخر حتى طوت طريق تكاملها.
۸- في تلك الآونة من عمر الحضارة الاسلامية واثر اصطدام المبلغين الاسلاميين بالمتكلمين المسيحيين والزرداشتيين والمانويين وامثالهم، اضطر المبلغون المسلمون الى ترك بساطتهم والتحول عن نشر التعاليم الدينية وفق صورة بدائية الى استخدام الحربة ذاتها التي يستخدماه مخالفوهم يعني سلاح المنطق والفلسفة.
وفي الوقت ذاته وكما نعلم فقد ظهرت طبقات مختلفة في الممالك الاسلامية شرع كل منها بالبحث والمشاجرة حول اصول الدين او في مسائل من قبيل الجبر والاختيار وقدم كلام الله او حدوثه، وغير ذلك. ولعل ظهور هذه الابحاث قد قاد في النهاية الى ظهور فرق كالمرجئة والجهمية والقدرية والفرقة المقتدرة كثيرا المسماة بالمعتزلة والتي انقسمت بدورها الى شعب متعددة، لتظهر من بين احد شعبها وهي شعبة الجبائية تلك الفرقة المعروفة بالأشعرية، والتي ارتكزت على اسس جديدة استولت طويلا على افكار المتفكرين الاسلاميين.
د. ذبيح الله صفا
ترجمة: مصطفى البكور