المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مع اول خيوط الفجر ايناس البدران


عدنان جبر
07-01-19, 03:17 مساء
مع اول خيوط الفجر / ايناس البدران
قصة قصيرة
17/01/2007 11:50

اقسم اني رأيتهم والناس الذين انضموا الي فيما بعد رأوهم ايضا ، واشاروا بأصابعهم المرتعشة رغم الدخان الكثيف اليهم ، كنت ادور بعيني بحثا عن التفاصيل الاخيرة والريح هوجاء تعدو خلفي في كل اتجاه .. وددت لو اجوب بروحي الاجواء بحثا عن شيء ما ، لمحت حمائم ظلت طريقها الى القباب المشطورة واناس تبعثرت اجسادهم ، بعضهم انسل ليختبيء في الزوايا وذاب البعض الاخر خلف ظلال المآذن المكبرة .
لطالما احببت صوت الاذان يسكب في اذني كرحيق سلام سماوي .. جدتي كانت تقول بأن صوت المؤذن يبعد الشرور ويطرد الشيطان ، لذا استغربت حين اتوا بجثته بعد يومين من اختفائه ممثلا بها من مشرحة الطب العدلي !
كان زوجي يقود مركبته المتهالكة بحذر من يروم اجتياز الكثير من العوارض والمتاريس بنجاح ، قال لي مطمئنا :
- سيصبح كل شيء على ما يرام . فتبادلنا الابتسام حين لمحت رتلا قادما فهتفت فيه – تنح جانبا - انحرفت المركبة بسرعة صوب الطريق الترابي – مر الرتل المكون من اربعة آليات ضخمة غريبة الشكل من جانبنا دون ان يعيرنا التفاتا لكنه اثار زوبعة من تراب خانق .
- حاولنا التظاهر ان كل شيء على ما يرام كانت الدروب تعدو خلفنا هربا من قيظ الظهيرة الذي كان يشوي كل جزء يناله منا .
- حاولت بشجاعة منهكة – لكثرة ما استحضرتها – ايقاف خلجات اليأس داخلي وشهقات الحزن في احشائي متجاهلة الاشواك المغروزة على جانبي الطريق والابواب الموصدة دوننا والتي يدور خلفها لغط كثير .
- اشحت حينها بوجهي كي لايرى زوجي ترقرق الدمع في عيني ، لكنه اطلق زفرة حرى كأنما قرأ افكاري والقى بعقب سيجارته الاخيرة الى حيث تتدحرج بقية الاعقاب ، ومع ذلك كان علينا المضي في طريقنا حتى النهاية متأملين تفادي كل الاحتمالات المرعبة .
اغمضت عيني حين انعكس فيهما بريق ماض كشظايا المرايا بعدها غطى اللون الترابي الكامد على كل الالوان .
كطفلة تطارد الفراش حاولت اقتناص لحظة انبعثت من بين اكوام الذكريات المبعثرة ، صورة رائقة لعصفورين منتشين بحلمهما الصغير تحت زخات مطر ربيعي ، كم حاولت بعدها ايجاد تفسير معقول لكل ما يجري حولي من جنون ، ما اكثر ما تداخلت الاشياء في رأسي واختلطت شأنها شأن اللوحات السريالية التي يفسرها كل بطريقته دون ان يعلم احد على وجه الدقة ما قصده الرسام .
بعدها فكرت ان اجمع ما تبقى مني في حقيبة لألقي بها في يم غربة بلا قرار ، ولكن ما جدوى تغيير الامكنة مع نفس استوطنها الحزن ، سيكون مجرد تغيير للون العذاب ليس الا .
وتساءلت في سري ببلاهة لماذا تأكل القطة ابناءها ؟ ولماذا استوطن هذا الالم الرهيب رأسي وجذور رقبتي ؟
قررت ان اطلب من والدتي – حال وصولي البيت – ان تدعك رقبتي بزيت حبة البركة ففيه دواء لكل داء الا السأم ، كان ذلك قبل ان يرتفع رأسي ككرة في ملعب ليحلق فوق ارجاء المدينة المتعبة الممتدة افقيا على مرمى البصر . كانت عيناي تدوران تبحثان عن جواب لسؤال محدد ذكرتني به مقولة " اعرف عدوك " فتساءلت في سري من عدوي ؟ صار السؤال يتردد صداه يعلو رويدا فيكاد يصيبني بالصمم ، من عدوي ؟ كأنني اعيش كابوسا احاول ان اتذكر استنتج احك رأسي بأصابعي كعادتي كلما هممت في التفكير ، حين اكتشفت بأن كفي قد بترت ، تلفت بحثا عن ذراعي الاخرى فاذا بها تطير هي الاخرى فتهبط ليتلقفها زوجي قبل ان تهوي الى الارض وكان ينقل بصره بذهول بين الارض والسماء .
صراخ امرأة يعلو فوق تفكيري بهستيريا .. حقا لم اكن مواظبة على الصلاة الا اني اجتنبت الكبائر ، عدا بعض اللمم ، وختمت القرآن كذا مرة . ولكن لماذا اتحدث هكذا كأنني مت ، هل مت حقا ؟
ولمحت رجالا تبكي وقططا تتقييأ دما قبل ان تزحف مختفية لتمتصها الازقة المظلمة ، وبدأ رأسي يعلو اكثر ، ثم لمحت من بعيد بحيرة طبريا وطفت حول المسجد الاقصى ، رأيته غاصا بملائكة يرجمون الشياطين بالحجارة ، بكيت اذ لولا كفي المقطوع وذراعي لانضممت اليهم ، ورغم ذلك صرت اناولهم قدر استطاعتي .
مع الغروب كانت الاذرع منهمكة ما بين المعاول وتراب الارض ، رأيت وجه ابي كئيبا شامخا وجسده النحيل كشجرة تشيخ ، عندها قررت العودة الى البيت فوجدت ابني الصغير بلا عشاء في يده كتاب ويدندن بأنشودة لم اتبينها .
صرت اهيم على وجهي اتوحد بالذرات حتى السابح منها في فراغ .. مع اول خيوط الفجر رأيتهم يخرجون من بين شقوق العتمة كالنبوءة ، كقناديل البشارة .. شعرت بتراب الارض يحتضن اضلعي ، يهدهد عظامي بحنو .. اغمضت جفني واستسلمت لنوم عميق .


القاصة ايناس البدران :
ايناس فاضل البدران

- بكالوريوس ادب انكليزي ، كلية الاداب ، جامعة بغداد
- عضو الاتحاد العام لأدباء وكتاب العراق . ورئيسة منتدى نازك الملائكة الادبي في الاتحاد .
- عضو عامل في نقابة الصحفيين العراقيين .
- عملت صحفية ومترجمة في العديد من الصحف والمجلات العراقية والعربية .

صدر لها :

1 – العوامة . تأليف أليسون مورغان . ( ترجمة ) بغداد 1985
2 –آفاق التربية الحديثة وجذورها . بغداد 2000
3 – عيون النمرة . مجموعة قصصية . بغداد 2003
4 – حب في زمن الحرب . رواية . بغداد2004
5 – غذاؤك دواؤك . بغداد 2006

مسودة جاهزة للطبع :



هذة القصة نقلتها لكم اعزائي ارجو ا ان تنال اعجابكم

هاااااوي
07-01-19, 07:20 مساء
روعه اخوي عدنان

اشكرك علي احساسك الجميلفي نقل القصه


هاوي

وهـــ *دلوعة*ـــم
07-01-22, 07:33 صباحاً
عدنان جبر

قصه رائعه .. اتقنت الاختيار

تقبل مني فائق الإحترامي والتقدير

وبإنتظار ما تسطرهـ أناملك من إبداع ..

مودتى لكـ

***تينـــــا***
07-01-28, 06:21 صباحاً
عدنان جبر

عظيم شكري وإمتناني لهكذا طرح شيق وفي منتهى الروعه ..
سلمت لنا ودمت بكل الخير والسعاده ياعذب ..
ودادي لك ..

/

\

محبتكم
تيووونه

ابو عبد الله
07-01-28, 02:22 مساء
معـ اول اطلااالة قلمك الرااائع

لفت انتباهي من خلال التميز

والجمااال والروووعة

فكمـ هو جميل ان

تحمل هذاا الحس

والفكر والثقااافة

لك مني خاالص الدعااء بالتوفيق

اخوك ابو عبد الله

وهــ زااايد ــم
07-01-29, 11:07 مساء
((عدنان جبر))

وفقتم في نقلكم الذي تميز بالاتقان العالي وبراعة الاسلوب

وهذا شى مب غريب عليكم

لاخلا ولاعدم منكم

لك منى كل الود والاحترام

عدنان جبر
07-02-01, 03:24 مساء
اخواني واخواتي
هاوي دلوعة وهم تينا
ابو عبدالله زايد وهم
تفضلتم علي بكرمكم
يشعرني بالدفىء
واتمنى ان لا تحرموني
سخائكم المبارك
وشكرا لكم

الزينه
07-02-09, 11:45 مساء
قصه روعه يعطيكم العافيه
محبتي
زينه

قتيل الشوق
07-02-12, 03:16 صباحاً
مشكور اخوي وما قصرت ويعطيك الف الف عافيه

عذابه
07-02-12, 12:04 مساء
قصهـ قمهـ

يعطيك الف عافيه ..

دمت بمسكـ ودهن العود ..

عدنان جبر
07-03-03, 08:33 صباحاً
السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة
اختي الزينه
اخي قتيل الشوق
اختي عذابة
كان لحضوركم المتميز صفاء
كصفاء السماء اضاف لصفحاتي
بريق خلاب
تشكراتي لكم
اتمنا تواصلكم دائما

قتيل الشوق
07-03-26, 04:21 مساء
روعه اخوي عدنان

اشكرك علي احساسك الجميلفي نقل القصه

قتيل الشوق