نـ الحياة ــور
06-11-09, 01:23 PM
الكاتب: د زغلول النجار
" فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ "(الأنعام:44)
هذا النص القرآني الكريم جاء في الثلث الأول من سورة الأنعام , وهي سورة مكية , ومن طوال سور القرآن الكريم , إذ يبلغ عدد آياتها (165) بعد البسملة , وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلى الأنعام في أكثر من موضع , ويدور المحور الرئيسي للسورة حول عدد من ركائز العقيدة , والتشريعات الإسلامية , والآيات الكونية الدالة على طلاقة القدرة الإلهية المبدعة في الخلق . وتبدأ السورة الكريمة بقول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ، هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ ، وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ "(الأنعام:1ـ3) . ثم تنتقل الآيات إلى الحديث عن الكفار والمشركين من قريش ـ كغيرهم في كل زمان ومكان ـ والذين مهما عرض عليهم من الأدلة الشاهدة للخالق ـ سبحانه وتعالى ـ بالألوهية والربوبية والوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه , والشاهدة لخاتم أنبيائه ورسله ـ صلي الله عليه وسلم ـ بصدق الوحي إليه , فإنهم لا يؤمنون , فقد كذبوا بالقرآن الكريم , ولذلك هددتهم الآيات بما سوف يحل بهم من وعيد كانوا يسخرون منه , وتذكرهم بما حل بكفار ومشركي الأمم السابقة عليهم من عقاب , وقد كانوا أشد منهم قوة وأكثر تمكينا في الأرض .
وتؤكد الآيات أنه مهما جاء للكفار والمشركين من دليل على صدق ما جاء به النبي والرسول الخاتم فإنهم لا يؤمنون , وتواسيه الآيات على تطاول الكفار والمشركين على شخصه الكريم وذلك بقول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ له: " وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ " (الأنعام:10) .
وتذكر الآيات مرة أخري بعقاب المكذبين برسل الله فتقول : " قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ " ( الأنعام:11). وتستعرض السورة الكريمة عددا من الآيات الكونية , مؤكدة حتمية الرجوع إلى الله ـ تعالى ـ وعلى خسران الكافرين والمشركين في يوم القيامة خسرانا مبينا , وتوجه الخطاب إلى خاتم أنبياء الله ورسله ( والخطاب إليه ـ صلي الله عليه وسلم ـ موجه إلى جميع المؤمنين به إلى يوم القيامة) فتقول : " قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِياًّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ " (الأنعام:14) .
وتؤكد الآيات أن كل مؤمن يخاف عذاب الله , وأن النجاة منه هي الفوز المبين , وأن الله ـ تعالى ـ هو الضار النافع وهو على كل شيء قدير, " وَهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ " (الأنعام:18) . وتجزم الآيات بصدق الوحي بالقرآن الكريم , الذي أنزله الله ـ تعالى ـ للعالمين , كما تجزم بوحدانية الخالق العظيم وببراءة خاتم رسله , (وبراءة كل المؤمنين برسالته) من شرك المشركين فتقول موجهة الخطاب إلى النبي والرسول الخاتم ـ صلي الله عليه وسلم ـ: " قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا القُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ " (الأنعام:19) . وتشير الآيات إلى ذكر الكتب السماوية السابقة للنبي والرسول الخاتم ـ صلي الله عليه وسلم ـ فتقول : " الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ " (الأنعام:20) . وتؤكد الآيات أن من أبشع صور الظلم للنفس افتراء الكذب على الله ـ تعالى ـ والتكذيب بآياته المنزلة في القرآن الكريم , وأنه (لا يفلح الظالمون) .
وتعرض الآيات لموقف المشركين في يوم الحشر وكلهم حسرة وندامة على ما أشركوا من قبل , يوم لا تنفع الحسرة ولا الندامة , وتعاود توجيه الخطاب إلى رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ فتقول : " وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ، وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْئَوْنَ عَنْهُ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ " (الأنعام:25-26) . وهذا الخطاب كما كان لكفار ومشركي قريش موجه إلى أمثالهم في كل عصر حتى قيام الساعة . وتستعرض الآيات ذل الكفار والمشركين وهم موقوفون على النار , وتمنياتهم لو عادوا إلى الدنيا فيؤمنوا من جديد , وهم كاذبون . وتؤكد الآيات هوان الدنيا وفضل الآخرة فتقول :" وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ " (الأنعام:32) . وتعاود السورة الكريمة مواساة رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ على تكذيب المكذبين وتطاول المتطاولين من الكفار المشركين على شخصه الكريم في القديم والحديث فتقول : قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون " وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَأِ " (الأنعام:34) . وتؤكد الآيات أن المكذبين كالموتى أو كالصم والبكم في الظلمات لأنهم لا ينتفعون بالحق الذي جاء به رسول الله , وأن الله ـ تعالى ـ سيبعثهم يوم القيامة لحسابهم وجزائهم . ثم تستعرض السورة عددا من آيات الله في الخلق , محذرة من أهوال الساعة , ومذكرة بعقاب عصاة الأمم البائدة الذين نسوا ما ذكروا به من أنماط الابتلاء بالشدائد , فابتلاهم الله ـ تعالى ـ بالرزق الواسع الذي فرحوا به ثم أخذهم ربهم بالموت فجأة أو بالعذاب فجأة فإذا هم يائسون من النجاة...!! وكما ينطبق هذا الحال على عصاة الأمم البائدة , ينطبق على عصاة الأمم السائدة اليوم الذين فتح الله ـ تعالى ـ لهم من مغاليق الكون ما لم يفتح من قبل , فأطغاهم التقدم العلمي والتقني بالتجبر على الخلق والتنكر للخالق فتتهددهم الآيات بفجائية الموت وأهوال الآخرة فتقول : " فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ، فَقُطِعَ دَابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ " ( الأنعام:44-45) . وتعرض الآيات لعدد من نعم الله على عباده ومنها نعم السمع والبصر والفؤاد وتسأل الكفار والمشركين إن سلبهم الله إياها فمن يستطيع ردها إليهم غيره؟ وإذا نزل بهم عذاب الله بغتة أو على ترقب منهم (فهل يهلك إلا القوم الظالمون)؟ وتؤكد الآيات حقيقة الوحي وحرية الإنسان في اختيار دينه , داعية إلى التفكر واستخدام العقل , ومحددة دور رسل الله بقوله ـ تعالى ـ: " وَمَا نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ، وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ العَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ " (الأنعام:49,48) . وتوضح السورة لرسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ أساليب الحوار مع كل من الكافرين والمؤمنين أيا كانت مكاناتهم الاجتماعية , مؤكدة أن الله ـ تعالى ـ أعلم بالشاكرين , وأنه ـ سبحانه ـ غفور رحيم , وتأمره ـ كما تأمر كل المؤمنين ببعثته الشريفة ـ بالتبرؤ من كفر الكافرين وشرك المشركين , مؤكدة أن الحكم لله ـ تعالى ـ وحده (يقص الحق وهو خير الفاصلين) .
ثم تعرض السورة لعدد من صفات الخالق ـ سبحانه وتعالى ـ الذي صرف الآيات لعل عباده يفقهون , وتنعي على الكافرين كفرهم , مؤكدة أن لكل نبأ بالقرآن الكريم وقته الذي يظهر للخلق فيه حتى يقوم دليلا على أنه كلام رب العالمين وفي ذلك تقول مخاطبة خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلي الله عليه وسلم : " وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ، ِّكُلِّ نَبَأٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ " (الأنعام:67,66) . وتأمر الآيات رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ ألا يجلس في مجلس يتطاول فيه الكافرون والمشركون على دين الله وكتابه , والأمر هنا لكل مسلم ومسلمة , الذين لا يتحملون من إثم هؤلاء الضالين الظالمين شيئا , ولكن يجب أن يذكروهم لعلهم يخشون عذاب الله ويكفون عن باطلهم وضلالاتهم. كما تأمر الآيات بترك (الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا...) مع تذكيرهم بما جاء في القرآن الكريم من حق , وتحذيرهم من أهوال يوم القيامة , ومن أخطار الشرك بالله , الذي سوف يحشر إليه الخلق , وأمره بين الكاف والنون والذي " ... قَوْلُهُ الحَقُّ وَلَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ " (الأنعام:73).
ثم تعرض السورة المباركة لجانب من سيرة نبي الله إبراهيم وتأملاته في الكون حتى تعرف على خالقه من خلال بديع صنعه في السماء , وجاءت السورة على ذكر عدد من أبنائه وأحفاده وذريته , كما جاءت على ذكر نبي الله نوح , وتوصي الرسول الخاتم بالاقتداء بهم , تأكيدا على وحدة رسالة السماء وعلى الأخوة بين الأنبياء جميعا الذين كانت رسالتهم واحدة , أتمها الله ـ سبحانه وتعالى ـ وحفظها في الرسالة الخاتمة التي بعث بها النبي الخاتم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ وتوصيه الآيات بالدعوة إلى القرآن الكريم وبالقول لقومه وللخلق جميعا من بعده إلى قيام الساعة : "... قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ " (الأنعام:90) . وتنعي الآيات على الكفار كفرهم , وتمتدح القرآن الكريم بقول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ: " وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ القُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ "(الأنعام:92) . وتحذر الآيات من الكذب على الله ـ تعالى ـ ومن ادعاء النبوة بالباطل , ومن الادعاء الكاذب بالقدرة على الإتيان بكلام مثل كلام الله , أو الاستكبار عليه , كما تحذر من شدة سكرات الموت , وأهوال البعث , وانهزام الشركاء عن تابعيهم ساعة الحساب . وتنتقل السورة الكريمة إلى استعراض عدد آخر من آيات الله في الخلق , التي على الرغم من وضوحها اتخذ بعض الكافرين الجن أو الملائكة شركاء لله ـ تعالى ـ وهو خالقهم , كما زعم البعض بنين وبنات البنوة لله وترد عليهم الآيات بقول الحق ـ تبارك وتعالى : " بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ، لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ " (الأنعام:101ـ103) . وتعاود الآيات أمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يقول للناس : " قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ "( الأنعام:104) .
وبعد عرض هذه الدلائل والحجج القاطعة على الجاحدين فإنهم ينكرونها لكفرهم , ويختلقون الكذب على الرسول الخاتم فيتهمونه بأن معلمه بشر وأنه لا يتلقى الوحي من الله ـ تعالى ـ , وتأمره الآيات بتبيين ما أنزل إليه من الحق لكل من يريده ويدرك قدره ويذعن له , وتأمره بقول الحق ـ تبارك وتعالى ـ: " اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ، َلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ " (الأنعام:106-107) .
وتوصي الآيات المؤمنين ألا يسبوا أصنام المشركين فيحملهم ذلك على سب الله ـ تعالى ـ تعديا وسفها , وتؤكد أن لكل أمة عملها , ثم يكون مصير الجميع إلى الله وحده يوم القيامة فيخبرهم بأعمالهم ويجازيهم عليها . وتؤكد الآيات في سورة الأنعام أن المشركين يقسمون أنه إذا جاءتهم آية مادية ليكونن ذلك سببا في إيمانهم , والآيات لا يأتي بها إلا الله ـ تعالى ـ الذي يعلم بعلمه المحيط أنهم لن يؤمنوا حتى إذا جاءهم من الآيات ما يطلبون , والله يقلب أفئدتهم وأبصارهم( ويذرهم في طغيانهم يعمهون) وفي ذلك يقول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ: " وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ المَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ " (الأنعام:111).
وتعاود الآيات توجيه الخطاب إلى خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين ـ مؤكدة له أنه كما عاداه شياطين الإنس والجن من الكفار والمشركين في زمانه ومن بعد زمانه إلى اليوم وحتى قيام الساعة , فإنهم قد عادوا كل نبي وكل رسول من قبله , حيث يوسوس بعضهم إلى بعض بحديث مموه مزخرف عار عن الصدق يملؤهم فجورا وغرورا , ولو شاء الله ما فعلوه , ولكن تركهم وما يفعلون لتمحيص قلوب المؤمنين. وتوجه الآيات سيد المرسلين إلى ترك هؤلاء الضالين وكفرهم وافتراءاتهم الباطلة التي يرضون بها أنفسهم المريضة , ويفتنون أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة حتى يقعوا فيما يقترفون من آثام وفجور , وتأمره أن يقول : " أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ، وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ، وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ، إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ " (الأنعام:114ـ117).
وتأمر الآيات المؤمنين بالأكل مما ذكر اسم الله عليه مما أحل لهم من الذبائح , وقد بين الله ـ تعالى ـ لهم المحرم منها , وأن كثيرا من الناس يبعدون عن الحق بأهوائهم دون علم أو برهان , والله أعلم بالمعتدين . وليست التقوى في تحريم ما أحل الله , إنما التقوى في ترك الإثم ظاهره وباطنه , والذين يقترفون الآثام سيجزون الجزاء العادل بما يقترفون .
وتعاود الآيات النهي عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه من ذبائح الأنعام المصرح بأكلها , لأن ذلك فسق وخروج عن حكم الله , وإن شياطين الجن والإنس ليوسوسون في صدور أوليائهم ليجادلوا المؤمنين بالباطل في محاولة لجرهم إلى تحريم ما أحل الله , وإن في طاعتهم شركا بالله ـ تعالى ـ . وتقارن الآيات بين من أحياه الله ـ سبحانه وتعالى ـ بالهداية وبين الغارق في دياجير الضلال , مؤكدة أنه كما زين الله الهداية في قلوب أهل الإيمان , زين الشيطان الشرك في قلوب المشركين . وفي التحذير من مكر المجرمين تقول الآيات :" وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ، وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِندَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ " (الأنعام:124,123) . وتؤكد الآيات أن الهداية بيد الله ـ تعالى ـ صاحب الصراط المستقيم , والذي فصل آياته لقوم يذكرون , وجعل لهم الجنة عند ربهم جزاء بما عملوا من خير في الدنيا. أما الذين سلكوا طريق الشيطان من الإنس والجن فلهم في يوم الحشر خلود في نار جهنم إلا ما شاء الله جزاء ما ارتكبوا في الدنيا من آثام والله حكيم عليم . وتعتب الآيات على الكفار والمشركين من كل من الإنس والجن بأنهم لم يستجيبوا لنذر رسلهم بلقاء الآخرة فغرتهم الحياة الدنيا " وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ " . وتؤكد الآيات عدل الله المطلق في مجازاة عباده على أعمالهم في الدنيا بعد إشعارهم وإنذارهم , وهو ( الغني ذو الرحمة) , القادر على استبدال العاصين من عباده بما يشاء , وأن وعده لآت , وأن الخلق لا يعجزون خالقهم أبدا , وأنه لا يفلح الظالمون . وتعتب الآيات على المشركين ما يبتدعونه من جعل نصيب لله ـ تعالى ـ من الأنعام ومحاصيل الزروع يخصصونه للإنفاق على الضيفان والمحتاجين ولا يصلهم شيء منه , ونصيب آخر ينفقونه , على ما يعبدون من دون الله بظلمهم وجهلهم , وكما زينت لهم أوهامهم تلك القسمة الظالمة زينت لهم أوهامهم فيمن أشركوا مع الله قتل أولادهم نذرا لمعبوديهم من دون الله . وتأمر الآيات رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمؤمنين برسالته أن يتركوا هؤلاء الضالين في ضلالهم لأنهم سينالون عقاب ما يفترون , وقد افتروا غير ذلك , ولو شاء الله ـ تعالى ـ ما فعلوه وتلك مشيئته ـ سبحانه وتعالى ـ , وترد عليهم الآيات بقول الحق ـ تبارك وتعالى ـ:" قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ " (الأنعام:140) .
وعرضت الآيات بعد ذلك لذكر عدد من آيات الله في الخلق , موصية بإخراج زكاة الزروع يوم حصادها , ناهية عن الإسراف في كل شيء لأن الله ـ تعالى ـ لا يحب المسرفين , واصفة الأنعام بما يحمل الأثقال ويصلح للركوب , وما يصلح للطعام , ومن جلودها وأوبارها وأصوافها وأشعارها فراشا وأثاثا ولباسا , وتأمر بالأكل مما أحل الله ـ تعالى ـ منها ناهية عن افتراء التحليل والتحريم كما كان يفعل أهل الجاهلية بإيحاء من الشيطان ـ وهو عدو للإنسان مبين ـ ويدعون كذبا أنه أمر من الله ـ تعالى ـ . ثم فصلت الآيات ما حرم الله ـ تعالى ـ على عباده من المطعومات مؤكدة حكم الله : " ... فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ " (الأنعام:145) . وفي المقابل تؤكد الآيات أن الله ـ تعالى ـ حرم على اليهود بعض المطاعم عقابا لهم على ظلمهم وجرائمهم العديدة , وهو من أخبار الغيب التي تشهد للقرآن الكريم بأنه وحي من الله , وتشهد للنبي الخاتم الذي تلقاه , بالنبوة والرسالة . وتعاود الآيات توجيه الخطاب إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقول الحق ـ تبارك وتعالى ـ له :" فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ " (الأنعام:147) . وتستمر الآيات باستنكار احتجاج المشركين لشركهم وتحريمهم وتحليلهم بأنها مشيئة الله , وهم كاذبون , وتأمر الرسول الخاتم بعدم اتباع أهوائهم . وتتابع بعدد من التشريعات العقدية والسلوكية والأخلاقية مختتمة ذلك بقول الحق ـ تبارك تعالى ـ:" وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ " (الأنعام:153) . وتمتدح الآيات بعد ذلك التوراة , وتشير إلى الإنجيل , كما تمتدح القرآن الكريم , مؤكدة أن الحجة قد قامت على وجوب الإيمان بالله فماذا ينتظر غير المؤمنين وفي ذلك تقول : " هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ " (الأنعام:158) . وتنتقل الآيات إلى ذكر الذين فرقوا دين الله الحق الواحد بالعقائد الزائفة , والتشريعات الباطلة , فأصبحوا فرقا وشيعا عديدة , وتؤكد لصاحب الرسالة الخاتمة ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه مبرأ من إثمهم , وأن أمرهم إلى الله ـ تعالى ـ ( ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون) وتقرر الآيات أنه :" مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ " (الأنعام:160) . وتختتم سورة الأنعام بقول الحق ـ تبارك وتعالى ـ آمرا خاتم أنبيائه ورسله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقوله العزيز : " قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ، قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ، قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَباًّ وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ " (الأنعام:161ـ165) .
يتبع
" فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ "(الأنعام:44)
هذا النص القرآني الكريم جاء في الثلث الأول من سورة الأنعام , وهي سورة مكية , ومن طوال سور القرآن الكريم , إذ يبلغ عدد آياتها (165) بعد البسملة , وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلى الأنعام في أكثر من موضع , ويدور المحور الرئيسي للسورة حول عدد من ركائز العقيدة , والتشريعات الإسلامية , والآيات الكونية الدالة على طلاقة القدرة الإلهية المبدعة في الخلق . وتبدأ السورة الكريمة بقول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ، هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ ، وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ "(الأنعام:1ـ3) . ثم تنتقل الآيات إلى الحديث عن الكفار والمشركين من قريش ـ كغيرهم في كل زمان ومكان ـ والذين مهما عرض عليهم من الأدلة الشاهدة للخالق ـ سبحانه وتعالى ـ بالألوهية والربوبية والوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه , والشاهدة لخاتم أنبيائه ورسله ـ صلي الله عليه وسلم ـ بصدق الوحي إليه , فإنهم لا يؤمنون , فقد كذبوا بالقرآن الكريم , ولذلك هددتهم الآيات بما سوف يحل بهم من وعيد كانوا يسخرون منه , وتذكرهم بما حل بكفار ومشركي الأمم السابقة عليهم من عقاب , وقد كانوا أشد منهم قوة وأكثر تمكينا في الأرض .
وتؤكد الآيات أنه مهما جاء للكفار والمشركين من دليل على صدق ما جاء به النبي والرسول الخاتم فإنهم لا يؤمنون , وتواسيه الآيات على تطاول الكفار والمشركين على شخصه الكريم وذلك بقول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ له: " وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ " (الأنعام:10) .
وتذكر الآيات مرة أخري بعقاب المكذبين برسل الله فتقول : " قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ " ( الأنعام:11). وتستعرض السورة الكريمة عددا من الآيات الكونية , مؤكدة حتمية الرجوع إلى الله ـ تعالى ـ وعلى خسران الكافرين والمشركين في يوم القيامة خسرانا مبينا , وتوجه الخطاب إلى خاتم أنبياء الله ورسله ( والخطاب إليه ـ صلي الله عليه وسلم ـ موجه إلى جميع المؤمنين به إلى يوم القيامة) فتقول : " قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِياًّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ " (الأنعام:14) .
وتؤكد الآيات أن كل مؤمن يخاف عذاب الله , وأن النجاة منه هي الفوز المبين , وأن الله ـ تعالى ـ هو الضار النافع وهو على كل شيء قدير, " وَهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ " (الأنعام:18) . وتجزم الآيات بصدق الوحي بالقرآن الكريم , الذي أنزله الله ـ تعالى ـ للعالمين , كما تجزم بوحدانية الخالق العظيم وببراءة خاتم رسله , (وبراءة كل المؤمنين برسالته) من شرك المشركين فتقول موجهة الخطاب إلى النبي والرسول الخاتم ـ صلي الله عليه وسلم ـ: " قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا القُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ " (الأنعام:19) . وتشير الآيات إلى ذكر الكتب السماوية السابقة للنبي والرسول الخاتم ـ صلي الله عليه وسلم ـ فتقول : " الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ " (الأنعام:20) . وتؤكد الآيات أن من أبشع صور الظلم للنفس افتراء الكذب على الله ـ تعالى ـ والتكذيب بآياته المنزلة في القرآن الكريم , وأنه (لا يفلح الظالمون) .
وتعرض الآيات لموقف المشركين في يوم الحشر وكلهم حسرة وندامة على ما أشركوا من قبل , يوم لا تنفع الحسرة ولا الندامة , وتعاود توجيه الخطاب إلى رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ فتقول : " وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ، وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْئَوْنَ عَنْهُ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ " (الأنعام:25-26) . وهذا الخطاب كما كان لكفار ومشركي قريش موجه إلى أمثالهم في كل عصر حتى قيام الساعة . وتستعرض الآيات ذل الكفار والمشركين وهم موقوفون على النار , وتمنياتهم لو عادوا إلى الدنيا فيؤمنوا من جديد , وهم كاذبون . وتؤكد الآيات هوان الدنيا وفضل الآخرة فتقول :" وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ " (الأنعام:32) . وتعاود السورة الكريمة مواساة رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ على تكذيب المكذبين وتطاول المتطاولين من الكفار المشركين على شخصه الكريم في القديم والحديث فتقول : قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون " وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَأِ " (الأنعام:34) . وتؤكد الآيات أن المكذبين كالموتى أو كالصم والبكم في الظلمات لأنهم لا ينتفعون بالحق الذي جاء به رسول الله , وأن الله ـ تعالى ـ سيبعثهم يوم القيامة لحسابهم وجزائهم . ثم تستعرض السورة عددا من آيات الله في الخلق , محذرة من أهوال الساعة , ومذكرة بعقاب عصاة الأمم البائدة الذين نسوا ما ذكروا به من أنماط الابتلاء بالشدائد , فابتلاهم الله ـ تعالى ـ بالرزق الواسع الذي فرحوا به ثم أخذهم ربهم بالموت فجأة أو بالعذاب فجأة فإذا هم يائسون من النجاة...!! وكما ينطبق هذا الحال على عصاة الأمم البائدة , ينطبق على عصاة الأمم السائدة اليوم الذين فتح الله ـ تعالى ـ لهم من مغاليق الكون ما لم يفتح من قبل , فأطغاهم التقدم العلمي والتقني بالتجبر على الخلق والتنكر للخالق فتتهددهم الآيات بفجائية الموت وأهوال الآخرة فتقول : " فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ، فَقُطِعَ دَابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ " ( الأنعام:44-45) . وتعرض الآيات لعدد من نعم الله على عباده ومنها نعم السمع والبصر والفؤاد وتسأل الكفار والمشركين إن سلبهم الله إياها فمن يستطيع ردها إليهم غيره؟ وإذا نزل بهم عذاب الله بغتة أو على ترقب منهم (فهل يهلك إلا القوم الظالمون)؟ وتؤكد الآيات حقيقة الوحي وحرية الإنسان في اختيار دينه , داعية إلى التفكر واستخدام العقل , ومحددة دور رسل الله بقوله ـ تعالى ـ: " وَمَا نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ، وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ العَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ " (الأنعام:49,48) . وتوضح السورة لرسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ أساليب الحوار مع كل من الكافرين والمؤمنين أيا كانت مكاناتهم الاجتماعية , مؤكدة أن الله ـ تعالى ـ أعلم بالشاكرين , وأنه ـ سبحانه ـ غفور رحيم , وتأمره ـ كما تأمر كل المؤمنين ببعثته الشريفة ـ بالتبرؤ من كفر الكافرين وشرك المشركين , مؤكدة أن الحكم لله ـ تعالى ـ وحده (يقص الحق وهو خير الفاصلين) .
ثم تعرض السورة لعدد من صفات الخالق ـ سبحانه وتعالى ـ الذي صرف الآيات لعل عباده يفقهون , وتنعي على الكافرين كفرهم , مؤكدة أن لكل نبأ بالقرآن الكريم وقته الذي يظهر للخلق فيه حتى يقوم دليلا على أنه كلام رب العالمين وفي ذلك تقول مخاطبة خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلي الله عليه وسلم : " وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ، ِّكُلِّ نَبَأٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ " (الأنعام:67,66) . وتأمر الآيات رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ ألا يجلس في مجلس يتطاول فيه الكافرون والمشركون على دين الله وكتابه , والأمر هنا لكل مسلم ومسلمة , الذين لا يتحملون من إثم هؤلاء الضالين الظالمين شيئا , ولكن يجب أن يذكروهم لعلهم يخشون عذاب الله ويكفون عن باطلهم وضلالاتهم. كما تأمر الآيات بترك (الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا...) مع تذكيرهم بما جاء في القرآن الكريم من حق , وتحذيرهم من أهوال يوم القيامة , ومن أخطار الشرك بالله , الذي سوف يحشر إليه الخلق , وأمره بين الكاف والنون والذي " ... قَوْلُهُ الحَقُّ وَلَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ " (الأنعام:73).
ثم تعرض السورة المباركة لجانب من سيرة نبي الله إبراهيم وتأملاته في الكون حتى تعرف على خالقه من خلال بديع صنعه في السماء , وجاءت السورة على ذكر عدد من أبنائه وأحفاده وذريته , كما جاءت على ذكر نبي الله نوح , وتوصي الرسول الخاتم بالاقتداء بهم , تأكيدا على وحدة رسالة السماء وعلى الأخوة بين الأنبياء جميعا الذين كانت رسالتهم واحدة , أتمها الله ـ سبحانه وتعالى ـ وحفظها في الرسالة الخاتمة التي بعث بها النبي الخاتم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ وتوصيه الآيات بالدعوة إلى القرآن الكريم وبالقول لقومه وللخلق جميعا من بعده إلى قيام الساعة : "... قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ " (الأنعام:90) . وتنعي الآيات على الكفار كفرهم , وتمتدح القرآن الكريم بقول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ: " وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ القُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ "(الأنعام:92) . وتحذر الآيات من الكذب على الله ـ تعالى ـ ومن ادعاء النبوة بالباطل , ومن الادعاء الكاذب بالقدرة على الإتيان بكلام مثل كلام الله , أو الاستكبار عليه , كما تحذر من شدة سكرات الموت , وأهوال البعث , وانهزام الشركاء عن تابعيهم ساعة الحساب . وتنتقل السورة الكريمة إلى استعراض عدد آخر من آيات الله في الخلق , التي على الرغم من وضوحها اتخذ بعض الكافرين الجن أو الملائكة شركاء لله ـ تعالى ـ وهو خالقهم , كما زعم البعض بنين وبنات البنوة لله وترد عليهم الآيات بقول الحق ـ تبارك وتعالى : " بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ، لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ " (الأنعام:101ـ103) . وتعاود الآيات أمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يقول للناس : " قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ "( الأنعام:104) .
وبعد عرض هذه الدلائل والحجج القاطعة على الجاحدين فإنهم ينكرونها لكفرهم , ويختلقون الكذب على الرسول الخاتم فيتهمونه بأن معلمه بشر وأنه لا يتلقى الوحي من الله ـ تعالى ـ , وتأمره الآيات بتبيين ما أنزل إليه من الحق لكل من يريده ويدرك قدره ويذعن له , وتأمره بقول الحق ـ تبارك وتعالى ـ: " اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ، َلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ " (الأنعام:106-107) .
وتوصي الآيات المؤمنين ألا يسبوا أصنام المشركين فيحملهم ذلك على سب الله ـ تعالى ـ تعديا وسفها , وتؤكد أن لكل أمة عملها , ثم يكون مصير الجميع إلى الله وحده يوم القيامة فيخبرهم بأعمالهم ويجازيهم عليها . وتؤكد الآيات في سورة الأنعام أن المشركين يقسمون أنه إذا جاءتهم آية مادية ليكونن ذلك سببا في إيمانهم , والآيات لا يأتي بها إلا الله ـ تعالى ـ الذي يعلم بعلمه المحيط أنهم لن يؤمنوا حتى إذا جاءهم من الآيات ما يطلبون , والله يقلب أفئدتهم وأبصارهم( ويذرهم في طغيانهم يعمهون) وفي ذلك يقول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ: " وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ المَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ " (الأنعام:111).
وتعاود الآيات توجيه الخطاب إلى خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين ـ مؤكدة له أنه كما عاداه شياطين الإنس والجن من الكفار والمشركين في زمانه ومن بعد زمانه إلى اليوم وحتى قيام الساعة , فإنهم قد عادوا كل نبي وكل رسول من قبله , حيث يوسوس بعضهم إلى بعض بحديث مموه مزخرف عار عن الصدق يملؤهم فجورا وغرورا , ولو شاء الله ما فعلوه , ولكن تركهم وما يفعلون لتمحيص قلوب المؤمنين. وتوجه الآيات سيد المرسلين إلى ترك هؤلاء الضالين وكفرهم وافتراءاتهم الباطلة التي يرضون بها أنفسهم المريضة , ويفتنون أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة حتى يقعوا فيما يقترفون من آثام وفجور , وتأمره أن يقول : " أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ، وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ، وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ، إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ " (الأنعام:114ـ117).
وتأمر الآيات المؤمنين بالأكل مما ذكر اسم الله عليه مما أحل لهم من الذبائح , وقد بين الله ـ تعالى ـ لهم المحرم منها , وأن كثيرا من الناس يبعدون عن الحق بأهوائهم دون علم أو برهان , والله أعلم بالمعتدين . وليست التقوى في تحريم ما أحل الله , إنما التقوى في ترك الإثم ظاهره وباطنه , والذين يقترفون الآثام سيجزون الجزاء العادل بما يقترفون .
وتعاود الآيات النهي عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه من ذبائح الأنعام المصرح بأكلها , لأن ذلك فسق وخروج عن حكم الله , وإن شياطين الجن والإنس ليوسوسون في صدور أوليائهم ليجادلوا المؤمنين بالباطل في محاولة لجرهم إلى تحريم ما أحل الله , وإن في طاعتهم شركا بالله ـ تعالى ـ . وتقارن الآيات بين من أحياه الله ـ سبحانه وتعالى ـ بالهداية وبين الغارق في دياجير الضلال , مؤكدة أنه كما زين الله الهداية في قلوب أهل الإيمان , زين الشيطان الشرك في قلوب المشركين . وفي التحذير من مكر المجرمين تقول الآيات :" وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ، وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِندَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ " (الأنعام:124,123) . وتؤكد الآيات أن الهداية بيد الله ـ تعالى ـ صاحب الصراط المستقيم , والذي فصل آياته لقوم يذكرون , وجعل لهم الجنة عند ربهم جزاء بما عملوا من خير في الدنيا. أما الذين سلكوا طريق الشيطان من الإنس والجن فلهم في يوم الحشر خلود في نار جهنم إلا ما شاء الله جزاء ما ارتكبوا في الدنيا من آثام والله حكيم عليم . وتعتب الآيات على الكفار والمشركين من كل من الإنس والجن بأنهم لم يستجيبوا لنذر رسلهم بلقاء الآخرة فغرتهم الحياة الدنيا " وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ " . وتؤكد الآيات عدل الله المطلق في مجازاة عباده على أعمالهم في الدنيا بعد إشعارهم وإنذارهم , وهو ( الغني ذو الرحمة) , القادر على استبدال العاصين من عباده بما يشاء , وأن وعده لآت , وأن الخلق لا يعجزون خالقهم أبدا , وأنه لا يفلح الظالمون . وتعتب الآيات على المشركين ما يبتدعونه من جعل نصيب لله ـ تعالى ـ من الأنعام ومحاصيل الزروع يخصصونه للإنفاق على الضيفان والمحتاجين ولا يصلهم شيء منه , ونصيب آخر ينفقونه , على ما يعبدون من دون الله بظلمهم وجهلهم , وكما زينت لهم أوهامهم تلك القسمة الظالمة زينت لهم أوهامهم فيمن أشركوا مع الله قتل أولادهم نذرا لمعبوديهم من دون الله . وتأمر الآيات رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمؤمنين برسالته أن يتركوا هؤلاء الضالين في ضلالهم لأنهم سينالون عقاب ما يفترون , وقد افتروا غير ذلك , ولو شاء الله ـ تعالى ـ ما فعلوه وتلك مشيئته ـ سبحانه وتعالى ـ , وترد عليهم الآيات بقول الحق ـ تبارك وتعالى ـ:" قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ " (الأنعام:140) .
وعرضت الآيات بعد ذلك لذكر عدد من آيات الله في الخلق , موصية بإخراج زكاة الزروع يوم حصادها , ناهية عن الإسراف في كل شيء لأن الله ـ تعالى ـ لا يحب المسرفين , واصفة الأنعام بما يحمل الأثقال ويصلح للركوب , وما يصلح للطعام , ومن جلودها وأوبارها وأصوافها وأشعارها فراشا وأثاثا ولباسا , وتأمر بالأكل مما أحل الله ـ تعالى ـ منها ناهية عن افتراء التحليل والتحريم كما كان يفعل أهل الجاهلية بإيحاء من الشيطان ـ وهو عدو للإنسان مبين ـ ويدعون كذبا أنه أمر من الله ـ تعالى ـ . ثم فصلت الآيات ما حرم الله ـ تعالى ـ على عباده من المطعومات مؤكدة حكم الله : " ... فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ " (الأنعام:145) . وفي المقابل تؤكد الآيات أن الله ـ تعالى ـ حرم على اليهود بعض المطاعم عقابا لهم على ظلمهم وجرائمهم العديدة , وهو من أخبار الغيب التي تشهد للقرآن الكريم بأنه وحي من الله , وتشهد للنبي الخاتم الذي تلقاه , بالنبوة والرسالة . وتعاود الآيات توجيه الخطاب إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقول الحق ـ تبارك وتعالى ـ له :" فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ " (الأنعام:147) . وتستمر الآيات باستنكار احتجاج المشركين لشركهم وتحريمهم وتحليلهم بأنها مشيئة الله , وهم كاذبون , وتأمر الرسول الخاتم بعدم اتباع أهوائهم . وتتابع بعدد من التشريعات العقدية والسلوكية والأخلاقية مختتمة ذلك بقول الحق ـ تبارك تعالى ـ:" وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ " (الأنعام:153) . وتمتدح الآيات بعد ذلك التوراة , وتشير إلى الإنجيل , كما تمتدح القرآن الكريم , مؤكدة أن الحجة قد قامت على وجوب الإيمان بالله فماذا ينتظر غير المؤمنين وفي ذلك تقول : " هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ " (الأنعام:158) . وتنتقل الآيات إلى ذكر الذين فرقوا دين الله الحق الواحد بالعقائد الزائفة , والتشريعات الباطلة , فأصبحوا فرقا وشيعا عديدة , وتؤكد لصاحب الرسالة الخاتمة ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه مبرأ من إثمهم , وأن أمرهم إلى الله ـ تعالى ـ ( ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون) وتقرر الآيات أنه :" مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ " (الأنعام:160) . وتختتم سورة الأنعام بقول الحق ـ تبارك وتعالى ـ آمرا خاتم أنبيائه ورسله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقوله العزيز : " قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ، قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ، قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَباًّ وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ " (الأنعام:161ـ165) .
يتبع